نحو دولة القانون … اللامركزية

نحو دولة القانون … اللامركزية

ماذا لو طُبقت اللامركزية الإدارية في مناطقنا كوجهٍ إصلاحيٍ موحّد يأخذنا إلى مستقبلٍ تسعى فيه البلديات للتنافس فيما بينها بهدف تقديم الأداء الأفضل للناس، بعيداً عن ذلك الروتين الإداري الذي يؤخر البلديات طوراً وتتذرع به طوراً آخر!

ماذا لو طُبقت اللامركزية الإدارية التي نص عليها الطائف وتناتشتها المصالح السياسية التي لا ترضى التخلّي عن صلاحياتٍ لطالما شرّعت لها سرقة ما تبقى من موارد، وأتاحت لها تقاسم المشاريع بين الأفرقاء السياسيين؟

ماذا لو سحبنا بساط التحكم من يد السلطة التي لازالت تتحكم بالبلديات باستنسابيتها الفاضحة وتسيطر على الصندوق البلدي المستقل؟

يتخطى تطبيق اللامركزية الإدارية الشق التقني. لا بل هناك تُخمة من الدراسات والمشاريع واقتراحات القوانين الغير معمول بها والمهملة في أدراج مجلس النواب والتي تطرح للنقاش أحياناً دون البت بها بسبب ذرائع غير واقعية.

فكما باقي المشاريع التي لا تناسب الطبقة السياسية الموجودة، تحول مشروع اللامركزية الى “بعبع” التقسيم والفدرالية، وهو امر بعيد كل البعد عن الحقيقة اذ لا علاقة بينهما، فهولندا مثلاً كدولة وحدوية، تفوق باللامركزية بعض الدول الفدرالية.،وبالتالي فإن كل التهويل من مركزة الإدارات هو وهم لتغطية مطامع مادية وسلطوية واضحة المعالم.

نأخذ ملف النفايات مثالاً. فلو تم تطبيق الطائف بحرفيته وبإلزامية اللامركزية الإدارية من التسعينات حتى يومنا، لما كنا قد وصلنا في هذا الملف الى ما وصلنا إليه اليوم من تهديدات على مستوى واسع من عودة النفايات الى الشارع، وطرح المحارق حلاً وحيداً. وانطلاقاً من هذه النقطة، نعود لنكرر أن المحارق ليست الحل، بل هي كارثة بيئية لن تمر! اما الحل فيبدأ بتطبيق اللامركزية كما طرحناه بخطة صفر نفايات، التي اعدها المهندس زياد أبي شاكر وتبناها حزب سبعة.

صفر نفايات، تبدأ بالفرز من المصدر، ثم نقل النفايات الى مراكز الفرز والتخمير التابعة لكل قضاء، مما يخفف حتماً كلفة النقل. المواد العضوية تتحول لسماد زراعي، وتتجه المواد المفروزة إلى معامل الفرز. وبذلك، تُخفض الكلفة المادية بشكل مباشر عبر عملية المعالجة نفسها وبطريقة غير مباشرة من ناحية تأثيره على البيئة والصحة عموماً.

يخطئ من يربط اللامركزية بموضوع النفايات او بتسهيل أمور المواطن في شؤونه اليومية وتخفيض زحمة السير فقط. فرغم أهمية كل تلك المواضيع الا أن لطرح اللامركزية أبعاد وإيجابيات أهم من ذلك بكثير.

تتخطى اهمية اللامركزية تحسين الخدمات، وتدخل في صلب العمل السياسي والتنموي المستدام وتؤسس لبناء دولة القانون حيث تسود الشفافية التي تجعل من المواطن مراقباً ومحاسباً وواثق الخُطى بمستقبله.

لم يعد لدينا ترف القرف …

لم يعد لدينا ترف القرف …

كلا لن تتغير مجريات حياتي اذا اختلف السياسيون من اجل زعامة منطقة، وكلا لن تتغيّر حياتي اذا أخطأت نائبة في كتابة تويت، وبصراحة لن تتغيّر حياتي اذا ارسل احدهم واتساب بغض النظر عن مستوى المضمون.

وانما تتغيّر حياتي اذا اغتصبت طفلة بعمر الثماني سنوات، وتتغير حياتي اذا منع ولد من تقديم الامتحانات الرسمية، وتتغير حياتي اذا تنفست سموم محرقة او تنشقت رائحة النفايات وتتغير حياتي اذا بقي السلاح متفلتاً وبقي القضاء مسيساً.

وفي ظل هذا التوازن، او انعدامه، نرى اخبار الصحف الاكثر قراءةً والهاشتاغ الاكثر رواجاً بعيدةً كل البعد عن هموم المواطن الفعلية، أقصد بها تلك التي تغيّر حياتنا. نعم قد تختلف اولوياتنا وقد يعتبر البعض ان السياسة لا تعنيهم و”دخيلك لشو السياسة قرفنا”. لاصدقائي هؤلاء اقول، لم يعد لديكم ترف القرف حتى. لقد جاءت السياسة تدق بابكم، وقد جاء الافلاس ليطالنا جميعاً. ان الاموال التي نهبت، نهبت من جيوبنا جميعاً، وما يسمى موازنة انما هو “ضحك عالدقون” لا قيمة لها في ظل غياب حساب قطعي على مدى السنوات.

لقد ولى الزمن على حقنا في القرف واليأس، خيارٌ واحدٌ امامنا اليوم، المواجهة وفقط المواجهة. اليوم هذا الملاذ الاخير، قبل ان يفوت الاوان.

وقد لقنوك درساً يا “معالي” الوزير

وقد لقنوك درساً يا “معالي” الوزير

في كل عامٍ، وعند اقتراب الامتحانات الرسمية، تمتلئ هواتفنا نكتاً على أولاد يحضرون للامتحان وامهات يدرسن معهم والضغط والصلوات التي ترافق هذه المرحلة فنبتسم ونضحك… اما هذه السنة فالوضع مختلف.

هذه السنة هناك 1700 تلميذ يتمنون أن يرتجفوا خوفاً من الامتحان، يبحثون عن تلك الرهبة من القاعة الكبرى واوراق الأسئلة. هذه السنة، هناك أمهات وآباء يتمنون فقط أن يقلقوا وان يسهروا وان يتاخروا على عملهم صباحاً من اجل ايصال ولدهم الى الامتحان. هذا العام، الوضع مختلف، فمع هذه الدولة تختلف الاولويات. مع هذه الدولة، لا قيمة للوقت. 1700 تلميذ أخبروهم انهم لن يقدموا الامتحانات الرسمية وقالوا لهم ببساطة “بتقدموا بالدورة الجايي أو السنة الجايي”.

في وزارة التربية موظفون لم تحركهم دموع التلاميذ ولا معاناة الاهل، فتابعوا “انشغالهم” على الهاتف وتابعوا ابتزازهم للاهالي. وفي الوزارة وزيرٌ – قد لا يكون من كوكبٍ آخر، ولكنه حتماً من عصرٍ بعيد، فقد قرّر أن يعيد للشهادة الرسمية قيمتها… على حساب التلاميذ! ومن أجل معاقبة بعض المدارس على اخطاء لوجستية ومن أجل مراقبة الامتحانات بأحدث الكاميرات لم يستطع قبول جميع الطلبات ولم يسلّم البطاقات لحوالي 1700 تلميذ في ظاهرةٍ لا سابقة لها. ويا ليت هذه الكاميرات كانت تعمل على الطاقة الشمسية، لكان على الاقل استطاع تشغيلها، فقد غفل عنه بأن تطوّر دولتنا العزيزة أدى الى انقطاع الكهرباء، تطوّرٌ لم تواكبه الكاميرات.

لقد علّمتهم المدرسة دروساً كثيرة، أما الوزير فقد أعطاهم درساً لن ينسوه. علّمهم أن في الحياة من هو ظالم ويتحكّم بمصيرهم لان لديه السلطة فقط، علّمهم انه أحياناً مهما فعلوا فانّ أخطاء الآخرين قد ترتدّ عليهم. لقد فهمت مهامك في التربية بطريقةٍ خاطئةٍ يا “معالي” الوزير. ولكنهم – بلحظة عنفوان – لقنوك درساً، حين “خلعوا” بوابة الوزارة فكانت رسالتهم مدويّة يقولون لكل ظالم “فشرت” فلن نسكت عن حقنا.
ننتظر اليوم تسليمهم بطاقات الدورة الثانية، أما اذا لم يتسلمونها فلعلنا نلقنكم درساً أكبر.

حالة إنذار… نحو قضاء مستقل

حالة إنذار… نحو قضاء مستقل

لقد بات الحديث في لبنان عن البديهيات وكأننا نتكلّم عن انجازات. ولا أقصد هنا الكهرباء أو المواصلات أو البيئة بل أتكلّم تحديداً عن المؤسسة القضائية. فلننسَ قليلاً كل ما يحدث مؤخراً في لبنان، ولنركّز على فكرة أننا نطالب اليوم باستقلالية القضاء! هل يعقل أن هذا المطلب بات شبه مستحيل؟ فلتشرحوا لي كيف للقضاء أن لا يكون مستقلاً؟ أوليس من أبسط الحقوق ومن أبسط البديهيات أن يحكم من هو مستقل؟

قد يقول البعض أن “الواسطة” ليست موجودة في لبنان حصراً، وهي لم تبدأ اليوم بل لطالما كان مبدأ التبعية موجوداً. الا أننا ان عدنا الى التعيينات القضائية الأخيرة، فجميعنا يتذكّر ما قرأناه في الصحف وكم بات مستسهلاً للسياسيين أن يعترفوا ببساطة بكيفية “توزيع” القضاة وكيف يتم “احتسابهم” على فريق سياسي/طائفي معيّن.

أظن أن ما تغيّر في هذه التعيينات هي تلك الوقاحة في تسييس القضاء، هي تلك الفوقية والاعتراف بأنهم غير مهتمين بما يقترفونه بحق هذا الوطن وهذا المواطن . لقد حان الوقت أن يتم استبدال مفهوم التعيينات المسيسة وتمكين القضاة من انتخاب مجالسهم.

نعم في وطني، قد تطلب الى التحقيق وقد تسجن بسبب نكتةٍ قلتها أو انتقادٍ لسياسي أو حتى دفاعاً عن ملكٍ عام وقد تكافأ اذا احتليت شاطئاً عاماً أو لوثت نهراً أو لفقت تهمةً وقد يطلق سراحك حتى لو كنت ارهابياً.

انتفض بعض القضاة مؤخرا فشكلوا لائحة الشرف بدفاعهم عن استقلالية القضاء، ولكن، مع الاسف، لم يلقوا الا الدعم الخجول من البعض. لطالما عايشنا في لبنان تحويل المعاناة إلى شيء من الايجابية، فهل يكون استشهاد الجنود في طرابلس حافزاً يجمع جميع الأطراف للضغط من أجل استقلالية القضاء؟

لا أقصد هذه القضية تحديداً، ولا أتوجه الى سياسي محدد بل انا أتكلّم عن منظومة سياسية وعن نهجٍ سياسي عايشناه لمدة طويلة وأدى الى حوادث أليمة جميعنا نتذكرها، على أمل أن نتعلّم منها درساً. هل من ينكر التدخلات السياسية في قضية قاتل سامر حنا، او التدخل في قضية ميشال سماحة أو الباصات المكيفة واخيرا قضية الحاج-غبش…

ما حصل يجب أن يشكّل حالة إنذار ونقطة تحوّل نحو قضاءٍ مستقل. حتى ذلك الحين، ليست طرابلس وحدها من تعيّد بالدموع، بل كل لبنان وبكل شبرٍ من أرضه.

ما زالت الجامعة اللبنانية تعلمنا… دروساً في النضال

ما زالت الجامعة اللبنانية تعلمنا… دروساً في النضال

من المعروف ان اجمل سنوات شبابنا هي تلك التي نقضيها في الجامعة، وانا قد امضيت أربع سنوات من حياتي في كلية الاعلام في الفنار. سنوات كانت فيها ذكرياتٌ جميلة وأخرى حزينة. ذكريات مما لا شك فيه علمتني معنى النضال، جعلتني أخوض المعترك السياسي، علمتني ان لا اقبل بأقل مما أستحق.
ما زلت أذكر تلك الحملة التي قمنا بها من أجل الحصول على كمبيوتر وقد نجحنا، وقد خبرت يومها ذلك الشعور الرائع بالانتصار، الانتصار لأدنى حقوقنا. تعلمت يومها “انو مبلا بتحرز” وأنه بمجهودنا وبالمثابرة نصل الى هدفنا. انجازُ صغير وانما عنى لنا الكثير.
وكبرت وتطورت الظروف وكنت لأحلم أن يكون وضع الجامعة أفضل، الا اننا للأسف نشهد عملية اغتيال للجامعة فأساتذتها – وبالتالي طلابها – لا يحصلون على ابسط حقوقهم. وجامعتنا الوطنية لا تتطوّر ولم يعد يقصدها الا من أجبرته الظروف على ذلك… وقرر طلاب وأساتذة وموظفو الجامعة اللبنانية الاعتصام في رياض الصلح. درسٌ جديدٌ تعلمنا اياه الجامعة اللبنانية، أن نتحّد في وجه الظلم والفساد، أن نتحد في المطالب بوجه سلطةٍ شعارها “فرّق تسد”.
لم أتردد بالمشاركة في هذا الاعتصام، ورغم ايماني المطلق بأننا يجب أن نتضامن مع جميع المطالب المحقة، الا انني أعترف انه في ذلك اليوم لم أكن في رياض الصلح من اجل قضية آنية بل كنت هناك من أجل ذكرياتي. أعترف أنني يومها كنت هناك لأنني أردت حماية تلك الذكريات الجميلة التي اعتبرت فيها أن الجامعة اللبنانية بخير، وانه يحق للشباب اللبناني الوصول الى أعلى مستوى في التعليم. أعترف، أردت حماية تلك الشابة الثائرة التي تعلمت في اللبنانية، أول ما تعلمت، روح الثورة والنضال.

بين المواطن الثائر والمسؤول الدنيء فرقٌ شاسع

بين المواطن الثائر والمسؤول الدنيء فرقٌ شاسع

استفزني كلام بشارة الاسمر وضحكات زملائه ولكن اكثر ما آلمني هو من أجاز مقارنة حرية التعبير في حالة الاسمر وحالة المواطنين الذين انتقدوا بعض السياسيين وتم اعتقالهم والتحقيق معهم من جراء ذلك.
فهل يجوز تشبيه الحالتين؟ هل يجوز فعلياً أن نشبّه المواطن الذي يبدي رأيه باداء مسؤول سياسي بذلك الذي في موقع مسؤولية ويتصرف بقلة أخلاق.

من حق، لا بل من واجب أي مواطن أن يراقب وينتقد اداء اي مسؤول سياسي اذ أن هذا المسؤول هو من يتخذ القرارات المصيرية التي تؤثر سلباً أو ايجاباً على مجرى حياته. عندما يكون الفساد مستشر وقد تمّ نهب موارد البلد وعندما يموت المواطن على ابواب المستشفيات وعندما تكون صحته مهددة من النفايات والمياه الملوثة والحقول الكهرومغناطيسية وعندما يكون مرجه مهدد وجبله مدمّر وبحره ملوّث… عندها أقل ما يجب على المواطن القيام به هو انتقاد المسؤول. قد نوافق او لا نوافق على طريقته او تعابيره، الا ان ذلك من دون اهمية؛ المهم هو المحافظة على قدسية حريته في الدفاع عن حقه بالحياة، عن حقه بالوطن – وطنُ يتساوى فيه أبناؤه بالحقوق والواجبات.

أما أن تتم مقارنة هذا المواطن الخائف على لقمة عيشه او على صحة عائلته بذاك المسؤول الذي، في مقر عمله، اختار الاستهزاء – بقلة اخلاق – بشخصٍ متوفٍ فبذلك تسخيفٌ لمعاناة المواطنين.

والأسوأ من كل ذلك، هو تصريح ذلك السياسي الذي اعتبر أن توقيف بشارة هو عبرة للآخرين وكأنه بذلك ينذر بدكتاتورية لم نكن لنظن بأنها قد تهدد لبنان يوماً. اذ لا يجوز، تحت أي عذرٍ أو بأي ظرف، توقيف أي شخص بسبب كلامٍ او تعبير.

كل ذلك يحدث فيما الحكومة تدعي مناقشة الموازنة دون أن يلوح في الأفق ما يبشر باجراءات جدية لزيادة الانتاج او لتخفيض المدفوعات، بل نرى شبح تلك الاجراءات التي لن تهدد الا جيبة المواطن، ذلك نفسه الذين يحاولون اسكاته.